محمد جمال الدين القاسمي

190

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يكن هناك طاعة تختص بهم . قال : وجوابه أن أولي الأمر ، قيل : هم الأمراء . وقيل : هم العلماء . وهما روايتان عن الإمام أحمد . والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين . وطاعتهم من طاعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم . لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة اللّه إذا أمروا بأمر اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم . فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإيثار التقليد عليها ؟ ثم قال ابن القيّم : إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد . وذلك من وجوه : أحدها - الأمر بطاعة اللّه التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه . الثاني - طاعة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا يكون العبد مطيعا للّه ولرسوله حتى يكون عالما بأمر اللّه تعالى ورسوله . وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة اللّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم البتة . الثالث - أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم ، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عباس وغيرهم من الصحابة . وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم . وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد . وإن لم تكن واجبة الاستدلال . الرابع - أنه سبحانه وتعالى ، قال في الآية نفسها : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد . فإن قيل : فما هي طاعتهم المختصة بهم ؟ فإن كانت الطاعة فيما يخبرون به عن اللّه تعالى ورسوله صلى اللّه عليه وسلم ، كانت الطاعة للّه ورسوله صلى اللّه عليه وسلم لا لهم . قيل : هذا هو الحق . وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال . ولهذا قرنها بطاعة الرسول . وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا . وليس كذلك . بل طاعته واجبة استقلالا . كان ، ما أمر به أو نهى عنه في القرآن ، أو لم يكن . انتهى . وقال رحمه اللّه تعالى قبل ذلك : إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر اللّه تعالى وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم . وسلكوا ضد طريق أهل العلم . أما أمر اللّه تعالى ، فإنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله . والمقلدون قالوا : إنما نردّه إلى من قلدناه . وأما أمر رسوله فإنه صلى اللّه عليه وسلم أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين ، وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ . وقال المقلدون : بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه . وأما هدي الصحابة رضي اللّه عنهم فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن